‏إظهار الرسائل ذات التسميات أسوا تجارب حياتي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أسوا تجارب حياتي. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، أبريل 4

أسوء تجارب حياتي (4-4) وأشرقت شمسي ..



ذكريات أسوء تجارب حياتي  (4-4)
وأشرقت شمسي ..


(1) 

الإنسان مخلوق عجيب، قادر على التعايش مع كل وأي شيء، لو سألت من حولك: ماذا سيحل بك لو أصبت بالعجز والشلل التام ؟ لو رحلت أمك ؟ لو سُجنت؟ لو فقدت عينيك أو ثروتك أو أبناءك ؟ سيجيبك تلقائيا " بموت " ولكن التجربة تفاجئهم .. فالبشر قادرون على التعايش مع كل مصاب بعد تجاوز عنصر الصدمة.
 أسابيع مرت على اعتقال شقيقتي .. وأستخدم تعبير " مرت" بخّفة فالأيام لم تكن تمر علينا كعائلة بل تخترقنا.. تحدث ثقبا في الروح والقلب..
شعرت بالاستياء لأن قريبتي قررت عقد قرانها وأختي مازالت مغيبة في معتقل الطغيان ، بل وملكت ما يكفي من الجرأة لتدعونا الى حفلها (!!!) ولكني..عدت والتمست لها العذر : لقد توقفت حياتنا وليس علينا أن نفترض أن حياة الآخرين ستتوقف وإن كانوا أقربائنا ..

(2)
12- أبريل-2011

فتحت عيني على لولوة وهي تهزني وتقول: اليوم عيد ميلاد أمي .. ألن تأتوا بكعكة ؟!
قمت مفزوعة وكأني استيقظت على صفعه..!
لماذا تذكرت لولوة.. ولماذا ذكرتنا !!
أتينا بالكعكة وزارتنا مساءً صديقة ندى وزوجها وهم اشقاء عرب ليحتفلوا معنا.. دخلت تحمل هدية مغلفة بعناية لندى ووضعناها في ركن لتنتظر عودتها مثلنا جميعاً.. بلع كل منا غصته من أجل الفتيات وأطفئنا الشمع في غياب صاحبة العيد ، كانت لحظات قاسية وأسوء ما في حزنها أنك تضطر للتظاهر بالفرح ، يا ترى كيف مر عليك اليوم يا شقيقتي ؟ سألت وأنا اشعر أن " قريني الجديد" اثقل من اي وقت مضى..
في الآونة الأخيرة بدأت أشعر أن الحزن كيان منفصل يمشي معي – كقرين.. يمتطي ظهري وأنا واقفة " كذاك العجوز المرعب في سندباد" ويجثم على صدري عندما أنام " لا اعرف لماذا تخطر لي أفكار كهذه ثم تتوطن" ولكني بدأت أرى الحزن –عملياً- كظل يمشي معي

***

(3)

صبيحة 14 أبريل خرجت علينا وزيرة الخزعبلات والشئون التمثيلية بمؤتمر صحفي تدعي فيه أنهم وجدوا أسلحة ورشاشات في مستشفى السلمانية (!!!) ولا أعرف كيف واتت السلطة – والناطقين باسمها – وقاحة الترويج لكذبة مارقة كهذه.. " رشاشات مرة وحدة " قلت وأنا أمشط شعر عالية قبل ذهابها للمدرسة.. وحدهم العسكريون والشيوخ في هذه البلد من يملكون الأسلحة ، ولسنا في دولة مفتوحة الحدود لتهرب أسلحة لنا براً.. فالبحر يحاصرنا والمنفذ الأوحد هو جسر تسيطر عليه أشرس قوى أمنية لا تستطيع بوجودها أن تهرب جهاز لاسلكي ناهيك عن مسدس ناري..!!

من الهزلي جداً والوقح جداً أن تلصق السلطة تهم حيازة أسلحة للمعارضة ومن دعمها.. ( لو كان لدينا أسلحة لسقط في صفوف الامن قتلى وجرحى بسببها ، لأطلقت طلقة يتيمة من فوهتها ولو دفاعاً عن النفس ) قلت هاتفيا لزميل من "قوم فرعون" يُخفي إيمانه " ولكن كذبتهم تلك – على ميوعتها- ستجد من يتبناها ويروجها من العوام " عقب معلقاً ومعه حق.. فالجماهير " تملك خصائص النساء" كما كان يقول هتلر.. تتبلد عقولها إن خاطبت عواطفها ونزعاتها الشريرة وهذا هو ما فعلته السلطة في البحرين مع مواليها الذين صاروا يرددون رواياتها الغريبة بلا نقد ولا تفنيد لمجرد أنها تدين من يعتبرونهم خصوماً..
فمن السهل أن تصطف مع القوي ، وتجد مبررات لتبرر تخاذلك .. الصعب هو ان تصطف مع الضعيف العاجز عن حماية نفسه ناهيك عن حمايتك..
****
(4)
5- مايو-2011

" زوجة خالد ولدت.. لا تقولين ما بتزورينها " قالت أختي ليما مستبقةً واقع أني أبارح المنزل " أنه شقيقنا وهو طفله البكر علينا أن نظهر بعض الحفاوة " لم أعقب واكتفيت بمباركة باهته لأمي وأخي الذي بدت فرحته عقيمة .. خالد مقرب جداً من ندى - ولطالما كان - لذا شّق عليه هو الآخر أن يستقبل وليده بغيابها ولكن المعجزه حصلت وأفرج عن ندى.. في الليلة ذاتها.

****

كانت اشاعات الافراج عن دفعة من الاطباء تتعاقب ولكنا لم نكن نصدقها بعدما تواتر علينا من كذب..علمتما الايام ان نرفق بأمانينا فلا نرفعها لتهوى على أسفلت الواقع وتهشم ما تبقى من صبرنا المتآكل..
ولكننا تلقينا في الثامنة مساء مكالمة تقول : استلموا ندى ..

بعد محاكمة صورية اجراها بعض الضباط " المستظرفين " لها إذ نقلوها لمبنى آخر واجلسوها وقالوا لها ان هذه محاكمة عسكرية وكللوا التمثيلية السمجة ببعض الاسئلة ثم اصدروا لها حكما بالمؤبد قبل أن يخبروها أنها ستخرج " أي نوعيات مجنونة بالمناسبة تلك التي تستعين بها الداخلية" !!! تم إطلاق سراحها بالفعل وتوجهت فوراً لمنزل والدي ووالدتي- اللذان فرغ فؤادهما من الحزن عليها- أما أنا فانتظرتها في بيتها ولم أيقظ الفتيات، كان علي أن أراها أولاً.. لأصدق.

جلست انتظر قرب النافذة.. ذات النافذة ذاتها التي كنت أطل منها كل ليلة انتظر اعتقالي او عودتها ..
 احتضنتها لما وصلت للمرة الأولى.. كانت هزيلة جداً وباهته اللون ولكنها كانت تشع عزيمة.. لم أبكي وكانت انفعالاتي باردة بشكل لافت ، كان شعوري اشبه بشعور نائم استيقظ من كابوس طويل ..

****

ليلتها لم تنم ندى.. كان عليها ان تألف – مجددا- الفراش الوفير وتنسى ليالي الرعب التي كانوا يستيقظون في منتصفها على الصراخ والركل فجراً لا لسبب إلا لإشباع رغبة اجرامية عند ضابط مخمور قرر أن يخيف كل من بالمعتقل .. القصص التي روتها كانت تثير القهر والغيظ ، تعكس حقداً طبقيا واجتماعيا من هذه النخبة ..

(5)

في اليوم التالي جمعت اغراضي لأعود لمنزلي أخيراً .. قبل ذهابي قصدتني عالية بزهو ومدت لي ديناراً وقالت:
" كنت طيبة جداً معنا وتعتنين بنا جيداً وقررت أن أكافئك بدينار " كانت مبادرة طريفة فاحتضنتها وعلقت: سأشتري به المرفأ المالي إذن فضحكت دون أن تفهمني ! تماماً كما ولن يفهم أحد يوماً كيف اشترى رئيس الوزراء المرفأ المالي - وقيمته مليارات- بدينار واحد ومازال يجد من يدافع عن بقاءه رغم ذلك !

****

" الحمد لك ألف مرة–  رددت أمي على مسامع الجميع - استعدت ابنتاي في يوم واحد.. ندى عادت لبناتها فيما ستعود لميس / صديقتي لحضني " كانت فرحه امي بعودتي للمنزل كبيرة فقد افتقدت وجودي ولكنها كانت تجهل انها عودة لن تطول .. وسيعقبها فراق اطول من سابقه.

****


ذهبنا بعدها لنزور المولود الجديد ، وجه الخير الذي رزق به اخي خالد ، أحب تسميته بـ" رضا " فاعترضنا فألتف على رفضنا مانحاً الكلمة الفصل لندى فباركت الاسم فلم يكن لنا جميعا.. إلا الصمت !
خرجت من مستشفى ابن النفيس يومها وملأت رئتي بالهواء وفجأة شعرت بخفه في ظهري.. الحزن الذي اتخذته قرينا.. تلاشى.

وعاد لي مخزون الفرح الذي لطالما وجدته في نفسي..
يومها لو سألتموني اين ذهب القلق.. اين ذهب الألم.. أين ذهب الغضب..فلن اجد جواباً.. لقد تبخر !
لقد اخبرتكم ان الإنسان كائن عجيب يستطيع ان يتعايش مع كل شيء وسأخبركم – أيضا - انه كائن متقلب.. كل الحزن قد ينقلب فرحاً في لحظه .. والهزيمة قد تنقلب لانتصار .. والألم قد يستحيل نشوى.. كل ما يحتاجه المرء منا هو لحظة واحدة ..

إلتفاته ربانية واحدة.. تغير حياته..
مولود جديد جاء وحبيبة قديمة عادت.. كرم رباني فاض علي عائلة ضيف في ذلك اليوم مسح آلام ليالً وأيام من الأسى.. لقد اجتزنا الامتحان، وعبرنا بين غيوم المحنة وخرجنا بإيمان أكبر بأنفسنا وبقضيتنا وبنبالة مبادئنا ..
شاركتكم في هذه الحلقات ملامح من تجربتي .. ولا قول لي في نافلتها إلا: رب كما فرجت همنا وأعدت لنا أسيرتنا نسألك ان تفرج هم كل منكوب ومظلوم ، وتفك أسر كل سجين وتعيد كل غائب لأهله رب أمسح هموم قلوب المقهورين في وطني وأجزل لهم العطاء على مصابهم ،،
النصر للشرفاء والمناضلين .. والعار على المتخاذلين والظالمين

تابع القراءة ....

الأحد، مارس 25

أقسى تجارب حياتي (3-4) مشاهد من الأيام الطويلة ،،





(1) 
لا أكاد أصدق.. أيعقل أن بعض أقربائي يخشون زيارة بيت عائلتي !!
أيعقل أن بعض أصدقائي يهاتفوني من أرقام غير مدرجة باسمهم !!
أيعقل أن أخي أنا ، شقيقي أنا ، يضغط علي للتراجع وبيع القضية !
 هل تصدقين أن أحد أفراد عائلتي توقف عن استخدام لقب عائلتنا !
حدثت زائرتي بغيظ "لا تلوميهم فالناس تخاف، الكل اليوم معرض للفصل والتنكيل والاعتقال، تخيلي أن ولد سكينة اعتقلوه " ماله شغل بشي مسكين" كان ذاهباً لشراء سندويشات لأطفاله وتفاجأ بحمله اعتقال أخذته وعشا أولاده في يده ، هل تعرفين أم فاضل: اعتقلوا أبنها المعاق وأخالها جُنت ، ثم أنك "مسجل خطر" أتصدقين ان لجان التحقيق حققت مع موظفين وسألتهم عن وجود مقالاتك في بريدهم الإلكتروني ! ثم أن.. "
" أنها غابة وليست دوله " قلت لزائرتي مقاطعةً وأنا أشيح بوجهي لأنهي الموضوع..
لم يكن هناك مكان للعتب أو للمبالاة.. التفكير في أي شيء سوى شقيقتي والحكومة التي كشرت أنيابها.. كان ترفاً
(2)
إبان حركة التسعينات "التي كانت تطالب بالبرلمان يومها" لم تكن السلطة تقل بغياً وعدواناً عنها اليوم ولم تكن المعاناة مختلفة بيد أن عاملان أحدثا كل الفرق : حينها ؛ لم يكن هناك فضاء انترنت مفتوح ينشر / يفضح انتهاكات حقوق الإنسان لذا فإن أهل المناطق "الهادئة" لم يكونوا على علم بتفاصيل ما يجري في مناطق  الصراع بدقه.
أما الفارق الثاني، الذي أحدث كل الفرق، فكان أن السلطة كانت آنذاك تستهدف بانتقامها وجلاوزتها الطبقة المطحونة وترفع يدها عن التكنوقراط والبرجوازيين – لا بهدف مجاملتهم كما يبدو- بل بهدف عزلهم.. لذا دفع ثمن حراك التسعينات الشباب والعاطلين والفقراء وقطف ثماره الأغنياء والمتعلمين - بل والموالين للسلطة - الذين استماتوا على كراسي البرلمان الذين رفضوا فكرته " بشراسة" في التسعينات- تماماً كما يفعلون اليوم مع فكرة الحكومة المنتخبة !
****
ثورة 14 فبراير، وبفضل انتقالها من القرى لقلب العاصمة ، وبفضل وسائل التواصل التي جعلت صور وتسجيلات وأخبار القمع والجرائم تنتشر ف لحظتها .. جمعت كل الطبقات والأطياف : المتعلمين وأنصاف المتعلمين.. الأثرياء والمعوزين والإسلاميين وغير المتدينين مع معضلة جانبية: أن بعض الطبقات التي لم يطلها أذى التسعينات ، ولم تذق علقم السلطة فيها ، كانت أقل " مراناً" في التعامل مع بطش السلطة وتعسفها.. أقل توقعاً واستعدادا لما يحصل..عائلتي ، وعائلات عدة مثلنا، لم يطأ أحد منهم السجن يوماً ولم يتعاطوا مع مرتزقة السلطة وعدوانيتها لذا كنا أشبه بمن رموه بالمحيط قبل إعطاءه – ولو درساً نظرياً- في السباحة !

(3)
بعد أسبوع من اعتقالها بدأنا نتلقى اتصالات من ندى فيما بدا كنتيجة لإلحاح زوجها المستمر على كل المتنفذين الذين يعرفهم.. كنا لا نبارح المنزل ولا نبتعد 3 خطوات عن الهاتف خشية ان تتصل..لم يكن لاتصالاتها توقيت ، قد تتصل في الرابعة عصرا أو الثالثة فجراً..
وتماماً كما كنا نشاهد في الأفلام، كانت تتكلم معنا لدقيقة تحت رقابة شخص ما وقد نسأل ما يعتبرونه سؤالاً خطاً فيسحبون منها الهاتف ويغلقونه في وجوهنا.. في مكالمتنا الأولى سألتها: هل أنت بخير حبيبتي؟ فأجابت: نعم.. أين أنتي الآن: فقالت لا أعلم.. سألناها هل وجهوا لك تهمة معينة.. فأغلقوا الخط !!
تعلمنا بعد مرات من جلد الذات أن لا نسأل أي سؤال قد يزعج السجّان .. ولأن المكالمات لم تكن تعدو دقيقتين الى ثلاث تعلمت أن أتكلم سريعاً جداً وأقول لها في بعجلة ما قد تود سماعه: أن بناتها بخير وأمي بخير وكلنا متماسكون وان العمل على قضيتها جارً وأن بناتها تقبلا سفرها للدراسة وكان تمرير هذه الرسائل لتهدئة قلقها مهمة صعبة، خصوصاً أن لساني كان ينطق بما يكذبه صوتي..
أحياناً كنا نأمن لها الحديث مع بناتها.. كان كلامهم معها يدمي القلب وخشيت أن تزيد عذاباتها فطلبت منهم أن لا يطلبوا منها العودة وأن يخبروها عن الهدايا التي يريدون منها إرسالها بالبريد.. عالية –الأصغر سناً والأكثر عفوية - ابتاعت مزاعمي وطلبت من أمها أفلاماً جديدة أما لولوة فسحبت الهاتف من شقيقتها وقالت بغضب: لا أريد شيئاً أبداً، اريدك أنت، عودي يا ماما.. لماذا تدرسين وتتركيننا ثم أجشت بالبكاء!
لا أعتقد أن العائلة الحاكمة تدرك ما تفعله عندما تعرض الأطفال في هذا السن لكل هذا الغضب.. وإن كانوا يعتقدون أنهم يواجهون وقتاً عسيراً اليوم فعليهم انتظار الأجيال القادمة..الأجيال التي تجرعت بطشهم باكراً وباكراً جداً..
*****
لاحقاً عرفنا أن ندى ستنقل من السجن إنفرادي الذي وضعوها فيه زهاء الأسبوعين لمعتقل جماعي في مدينة عيسى، وبعد ان كانوا يرفضون إعطائها حتى القرآن سمحوا لنا بأخذ حقيبه لها ومبلغ مالي لتشتري به نثرياتها ، أرسلت لها خفين جوتشي ومستحضرات هيرمس وبعض الملابس المريحة والراقية ، قست الأمر على النحو التالي " لو كنت مكانها كنت لأريد أشيائي الجميلة معي لتربطني بخيط رفيع بنفسي التي أعرفها " وتلك كانت.. غلطة فادحة !! فقد طمع الشرطة فيما رأوه من حاجيات وأخذوا جلها ولم يصلها إلا ملابس النوم ومشط وخفّ منزلي فقد سرقوا حتى الصابون المعطر الذي أرسلته !! وعرفنا أنها استلمت 20 ديناراً فقط من الـ 100 دينار التي أرسلها لها زوجها !! هؤلاء هم مرتزقة الأمن الذين يستعين بهم نظامنا الحاكم..
همج رعاع مرتزقة يجمعهم من كل بقاع الأرض ومن أدني النوعيات ليكونوا وحوش السلطة المتنمره علينا..
كنت أهرب من فكرة أن ندى تتعاطى مع هذه النوعيات الرديئة من البشر بالعمل على تقارير إرسالها - وبطريقه معقدة جداً- للمنظمات ووسائل الإعلام العالمية ، فبعد ان بدأت الحكومة في تقفي المرسلات الإلكترونية واختطاف المدونين تنامت ضغوط أخوتي علي الذين كانوا يفزعون لرؤيتي أكتب !
 1 من كل 20 موضوعاً كانوا يخرجون للنور ، لم انشر شيئاً باسمي وقتها حماية لشقيقتي ، فقد كانت الصفقة واضحة : سكوتي أو تعذيب وإدانة شقيقتي ..
****

(4)
بعد زهاء الشهر شبّ خلاف بيني وبين أمي : كانت تلح علي لأتوقف عن أخذ العقاقير المنومة التي بدأت أعتمد عليها كلياً .. كما وكانت تلح علي لأخرج من المنزل – أقلها – للمشاركة في تجمعنا العائلي يوم الجمعة ولكني كنت مصرةً على عدم مبارحة البيت.. كنت أتذرع بانتظاري لاتصال ندى ولكني في الحقيقة كنت أستكثر على نفسي أي نزهة.. وقاطعت الحلويات تماماً لكي لا أنعم بشيء حُرمت هي منه، لم أكن أعتقد أني أحب شقيقتي بهذا الشكل .. لم أكن أتخيل أن حياتي كلها لا تساوي دخلتها من الباب عائدةً لبناتها..
تحت ضغط والدتي خرجت مره لبيت والدي.. وتنفيذا لرغبه الصغيرات خرجت أخرى للحديقة المائية ومسجد الصادق وفي المرتين بدت الشوارع لي مقفرة ونقاط التنفتيش منفره وحتى وجوه الناس كانت مختلفة.. لقد تحولت البلاد لمقبرة أو لسجن كبير وكل هذا لتحافظ الحكومة الموقرة على امتيازاتها وسلطتها غير المشروعة !
****

(5)
أفرج عن د.جليلة العالي، وبعض النساء ما وفر لنا رؤية أفضل لواقع ندى في الداخل.. كانت قوية متماسكة الا من بعض لحظات اليأس.. فندى كانت أول سيدة أختطفها العسكر وأثبتت مستندات القضية أن أسمها كان الأول في قائمة المدعي العام العسكري - قبل د.العكري الذي أعتقل بيومين قبلها- وقد فُسر هذا بكونها شقيقتي "ما زاد من شقائي"، بالطبع اعتقلت أخريات لاحقاً وسمعنا أن ندى كانت منعزلة تماماً عن "الوافدات" الجدد للمعتقل تقضي يومها في قراءة القرآن ولكنها بدأت في الاختلاط بالآخرين بل ومواساتهم والاعتناء بهم لاحقاً..
تحول حزني لفخر شديد.. ندى التي كانت تسخر مني ومن ذوباني في فضاء هموم الآخرين صارت أنا.. بشكل ونكهة خاصين بها وحدها..
يتبع 
تابع القراءة ....

الأربعاء، مارس 21

أقسى تجارب حياتي (2-4) : أمومتى القسرية.. وأسئلة البنتين الطاحنة


نشر بتاريخ مارس 21, 2012


(1)

عندما تكون فرداً في أسرة سجين سياسي في المعتقلات الخليفية.. فإنك لا تعيش الأيام بعد اعتقال من تحب؛ بل تعبر فوقها عبوراً.
لن يفهم ما سأقول هنا – تماماً - إلا من عاش التجربة بنفسه،،
فأنت تستيقظ ظهر الجمعة لتنام عشية السبت وتأكل وجبه لائقة عصر الاثنين وتمشط شعرك الأربعاء وتشرب قدح شاي مساء الثلاثاء !!
لا لأن الأيام تمر سريعا - أبداً- فالساعات تمر ثقيلة كحوافر الفيل ولكن شعورك يصبح رخواً بالأحداث والأشياء ومتفجراً عندما يأتي الأمر للعواطف..
مرورك بصورة المعتقل.. سماع كلمة يرددها دوماً.. تذكر تعليق له بل وحتى ذكر اسمه.. يُعذبك..
فكل شيء متعلق به حاد جداً كنصل الخنجر فما بالك لو كان هذا الشيء.. أبناؤه

(2)

بعد اعتقال شقيقتي د.ندى ضيف اعتقلت نفسي – حرفياً- في منزلها ولم أخرج منه ولا حتى لآتي بحاجياتي، كنت أريد ان أعاقب نفسي بحرمانها من كل شيء ثم وجدت نفسي – فجأة- أم لطفلتين .. كان علي أن أرعاهما وأحرص على أن لا يشعرا بلحظة حزن أو فراق.. مهمةٌ ولا أصعب سيما بأن كل لحظاتي كانت حزن وقلق..
ندى ، وخلافاً لما قد تبدوا، أم صارمة.. لا تسمح لبناتها بالسكاكر ولا بالحلوى وتقنن التلفاز وزيارات الاصدقاء لقدر معلوم.. ولكني لم أستطع إلا أن أكون لهم جارية مطيعة ! فطنة الأطفال جعلتهم يدركون سريعاً أنهم في عهدة من يعجز عن نطق كلمة " لا" لهم.. رغباتهم كانت أوامر وبما أني كنت أمنع نفسي من وطئ الشارع كنت أطلب من صديقاتي يومياً أن يأتوهم بما يريدون.. كان يكفى ندى أن تقول لهما "it's bed time " ليهرعوا لغرفهم ولو كانوا بقمة النشاط أما أنا.. فكان علي أن أترجاهم وأمطرهم بالمغريات ليوافقوا على الخلود للنوم..!!
ورغم نفوري من الحيوانات إلا اننا أجمعنا الرأي – أنا ووالدهما- أن نأتي كل منهما بقطة لنشغلهم.. ولم تثمر كل تلك المحاولات فذكر أمهما كان يبلل لسانهما وفي كل مرة كانتا تسألان عنها.. كنت أشعر بحرارة سياط يجلد ظهري.. يكسر ظهري.. يملؤني بالحسرة والألم
******

(3)

لسبب ما، كان مركز التحقيقات الجنائية ، ومعارف زوج أختي المتنفذين، يكذبون علينا كل يوم !
منذ اليوم الأول قالوا لنا " غداً ستكون بينكم"..
لقد وقعت أوراقها وستكون عندكم بعد يومين..
المدير خرج وها قد حانت نهاية الأسبوع ولكن تعالوا لاستلامها الأحد !!
لا أذكر كم مرة اتصلوا فيها لمحمد زوجها وطلبوا منه استلامها فطار – ولا أستخدم هذا التعبير بخفة - لمبنى التحقيقات وعاد بخفي حنين..!! ووصل بهم الأمر في مرحلة ما أن قالوا سنوصلها للبيت فجراً كما آخذنها لذا كنت ألازم الغرفة المطلة على الشارع حتى الفجر.. أحملق في النافذة وبيدي القرآن ، يرتجف قلبي مع كل سيارة تأتي.. ينكسر قلبي مع كل سيارة تمر..
هي درجة ما من السادية دفعتهم للتلاعب بنا بهذا الشكل .. يمنحونا أمل ووعوداً غليظة لترتفع معنوياتنا وترتطم بالقاع مجدداً..
وإن كان هذا ما فعلوا بآل ضيف والطواش فعليكم أن تسمعوا بما فعلوه بسوانا.. يخطفون أبنائهم تحت جنح الليل بوحشيتهم المعتادة ثم ينكرون معرفتهم بمكانهم !! أهالي شباب المنامة الذين اعتقلوا بالعشرات في 27 مارس المنامة ، على سبيل المثال ، ظلوا يهيمون على وجوههم من مركز شرطة لآخر، من مبنى عسكري لآخر حيث يُنكر الكل معرفة بهم وبمكانهم – ولمدة شهرين كاملين- حتى تلقوا في 23 مايو اتصالا من شرطي يطلب منهم تعيين محام لهم !
حتى العصابات تتحلى ببعض الأخلاق وتضع لنفسها بعض القوانين في تعاملها مع العوام.. أما هؤلاء فكل حركاتهم وهمزاتهم مصممة لتعذيب وإذلال أقصى كم من البشر ،،

(4)

ذات صباح جاءتني لولوة ، أبنة اختى ذات الـ8 سنوات ، وجلست قربي بهدوء وهمست " هل ماتت أمي ؟" سألتني وهي تنظر لي بعينيها البريئتين " لقد فكرت.. لا يمكن أن تكون أمي سافرت كما تزعمون دون أن تودعنا.. ثم أنها تتصل بنا أكثر من مرة يومياً عندما تسافر، هل ماتت وتريدون إخفاء الخبر عنا "
قفزت من كرسيي وطلبت لحظة ودخلت حمام غرفتها وأوصدت الباب لكي لا ترصد ردة فعلي.. لم أشعر يوماً بألم صرف كهذا.. وجع صافً لا يتخلله أي أحساس آخر، فتحت المياه على أشدها لتغطي أصواتها ما يهرب من أنين صرختي المكبوتة.. شعرت بانتفاض جسدي من الألم – لم أختبر شعوراً كهذا قبل ذاك اليوم- لأول مرة أعجز عن السيطرة على عضلات وجهي.. كانت دموعي كثيفة وحارقة وكأن عيني قد تكحلت بالملح..
كاد قلبي أن يتوقف..
كان الألم أكبر من أن يُحتمل ..
****

كمخرج.. أقنعتهم في الأيام اللاحقة أن الاتصالات في فنلندا - حيث سافرت أمهم - رديئة . وأن عليهم أن يكلموها عبر الماسنجر ، كنت أزوي نفسي في غرفة لأكتب وأرد عليهم ولكن الشك سرعان ما راودهم " لماذا لا تجلسين معنا ونحن نكلم أمنا – قالت عالية بريبه - فقررت أن أوكل مهمة محاورتهم لصديقة ، ولأنها لا تعرف الكثير عنهم وعن صديقاتهم كان علي أن أرسل لها مسجات نصية كل ثانية " لأغششها". لاحقاً ، عندما أطمئن فؤاد لولوه أنها أمها حية وتحاورها، أكتفت بكتابة كلمة " أحبك " بشكل متكرر..
افتقدك جداااااا .. بمّد الحروف لأقصاهما
متى تعودين ماما..؟ أحبك ماما.. هل نستطيع السفر لك إن لم تتمكني من المجيء؟
وفي كل ليلة قبل النوم ، بعد صراع اليومي لإقناعهما بالنوم، أطلب منهما الدعاء لوالدتهما بأن يحفظها الله ويعديها لنا سالمة
إيماناً – أو وهماً- بأن دعاء الأطفال له حضيه خاصة.

(5)

كل يوم.. كانت تصلني مباشرة أو عبر وسطاء أو من خلال من يتابعون قضيته شقيقتي رسالة واحدة واضحة وصارمة..
" توقفي عن الكتابه "، " كل ما تكتبينه سيزيد من معاناة شقيقتك وأمد واعتقالها"، " ستعرضينها للتعذيب لو كتبتي"
وكم كانت صدمتني كبيرة عندما اكتشفت أنهم خانوا الاتفاق كعادتهم ، فرغم إذعاني لابتزازهم وتوقفي عن الكتابة ، إلا أنهم عذبوا ندى رغم ذلك ،،

يتبع
تابع القراءة ....

الاثنين، مارس 19

أقسى تجارب حياتي (1-4)



أهرب منذ الصباح من مواجهة هذه الصفحة البيضاء واستعادة ذكريات هذا اليوم الذي سيظل موشوماً في ذاكرتي للأبد..
لم أكن أريد أن أتذكر..ولكني عاجزة عن النسيان أيضاً
في هذا اليوم العام الماضي.. اعتقلت شقيقتي د.ندى ضيف..ومن بين كل التجارب السيئة في حياتي.. كانت هذه هي التجربة الأقسى ولا أستطيع أن أزعم أني الإنسانة ذاتها بعد تلك التجربة..
****

(1)

بعد دخول قوات درع الجزيرة لبلدي، ونشر المدرعات والدبابات لتقويض الحركة المطلبية المطالبة بالعدالة والديمقراطية.. بدأت السلطة في تصفية حساباتها مع كل خصومها.. كما وبدأ موالوها " الذين يفوقونها في العدائية أحياناً " في إطلاق حملات لتصفية من اعتبرتهم " أعداء الوطن" ! فالوطن ، في قاموس هؤلاء، هو العائلة الحاكمة.. وبما أننا انتفضنا على ظلمهم وطالبنا بتقويض سلطتهم " وقطع امتيازاتهم كموالين" فنحن بالمفاد " خونه للوطن/الشيوخ" ونستحق الشنق والسحل والإعتقال والتشهير !!
في قائمة الـ18 التي وزعت " للمطلوب إعدامهم" كان أسمي هو الاسم السادس (!!!) والوجه الإعلامي الوحيد بين حقوقيين وسياسيين عتاة - ولا غرو- فصوتي عالً وقلمي حاد وطرحي هو الأشرس بين الزملاء في فضح الانتهاكات، وكنتيجة أصبحت من أهم المستهدفين فتعرض بيتي للاعتداء مرتين من بلطجية وشبيحة الحكومة، وأطلقوا حملات مارقة لاغتيال سمعتي وكانت مكالمات التهديد بالقتل والاختطاف هي زادي اليومي.. لذا توقعت اعتقالي في أية لحظة سيما بعد أن أشاعت السلطة نبأ اعتقالي آنذاك لسبب؛ لم أفهمه لليوم..
****


كان للأحداث وقع ثقيل على نفسي.. وصدمتني بالسلطة لم تكن توصف..على كل عللهم وسوءاتهم لم أتوقع أنهم قادرون على ما فعلوه.. لقد سحقوا الناس.. قتلوهم بدم بارد.. هتكوا كل المحرمات وتجرؤوا حتى على المساجد ودور العبادة، وأنشئوا مليشيات أهليه لمساعدتهم: رسالة واحدة خطية كانت كافية لتمنحك الداخلية سلاحاً نارياً لو كنت موالياً.. لقد سلحوا جزءا واحداً من الشعب وأشاحوا بوجههم بعيدا عن تكسيرهم للمحال واعتداءاتهم على الناس.. أقاموا نقاط تفتيش مهمتها أهانه الناس وإذلالهم.. تضرب الأب أمام أعين أبناءه.. تكسر هيبة الزوج بركله بوحشية أمام زوجته.. تهين النساء بأسئلة وعبارات جنسية نابية..
لقد فقدت السلطة رشدها وقررت السلطة أن تقطع شعرة معاوية التي كانت تربطها بنا..



(2)


انتقلت وقتها لأمواج.. لسكن محاذً لمنزل شقيقتي ندى لأخفف من قلق أهلي وصحبي على سلامتي.. كنت كل ليلة أجهز ملابساً قبل النوم تأهباً لاعتقالي.. فبعد أن اعتقلوا رموزاً وناشطين وساقوهم بملابس النوم قررت أن أنام أولاً بملابس " تصلح" للاعتقال.. ثم قررت تجهيز ملابس بحيث أستغرق أقل من دقيقة لأكون جاهزة..

في الثالثة والنصف من فجر 19-مارس الماضي.. سمعت طرقاً متواصلاً ونظرت في العين السحرية للباب فإذ به محمد - زوج شقيقتي- فأدركت أنها ساعة الصفر وقلت له بهدوء " دقيقة".. وفي أقل من دقيقة فتحت الباب.. كنت جاهزة.. مستعدة – تماماً- لأن يقول لي أن العسكر متجمهرين عند بيته – أقرب عنوان معروف لي- لاعتقالي.. كنت جاهزة لمواجهة الملثمين الغلاظ الذين سمعنا عن أهوالهم في الأيام الماضية.. جاهزة لمواجهة محقق مسموم الفكر يسألني عن علاقتي بإيران وطاجكستان وروسيا واليابان ليجد مبرراً كافياً لاتهامي بالعمالة رغم معرفتي – ومعرفته- أن الأمر له علاقة بفساد العائلة الحاكمة واستبدادها ولا شيء آخر.. كنت جاهزة لخنقي بالماء وضربي بـ"أهواز" كما يفعلون في سجوننا.. كنت جاهزة لكل شيء.. ولأي شيء.. إلا الكلمات الثلاث التي نطق بهم محمد
" لقد أخذوا ندى "

(3)

فجأة.. تحولت قوتي لوّهن.. وشجاعتي لانكسار" كيف.. ولماذا.. هل هناك خطأ ما"
وجدتني أمام أسئلة كثيرة.. وإجابات قليلة..
كانت مجموعة من 5 مركبات شغب قد حاصرت منزل والدي في الزنج في الثانية بعد منتصف الليل.. وأقتحم 16-20 ملثماً منزل والدي.. ومن سوء الطالع أن أبن أختي الكبرى كان قد بات ليلتها في منزلنا وعاش الرعب الذي عايشته عائلتي " وظل معتقداً حتى اليوم التالي أنهم جاؤوا طلباً لي".. لقد شهروا رشاشاتهم في وجه أمي وأبي.. هددوا أسرتي بتفجير رأس أحد أخوتي على مرأى منهم " وكان جرح صورة رأس أحمد فرحان مازال طرياً في مقل أعيننا " هددوا أخوتي باقتياد أبي الستيني وتعذيبه ولولا أنهم عرفوا أن أخي يعمل في القضاء لكانوا فعلوا ما هو أشد وأنكي.. لقد اجبروا أخي على الذهاب معهم لمنزل ندى فخرج نصفهم معه فيما أتخذ الباقون من أهلي رهائن حتى " الانتهاء من المهمة" !
من كان ليتخيل !
أهلي رهائن.. وملثمون يعيثون بمنزلي ويستحلون ردهاته، ويشهرون رشاشاتهم في جباه أخوتي !
لم أكن لأرى في أسوء كوابيسي أن تتعرض أسرة بحرينية لشيء كهذا أبداً لا يشبه إلا ما يتعرض له الفلسطينيون على يد الصهاينة !

(4)


عنوان شقيقتي كان معروفاً.. لماذا ذهبوا لمنزل والدي وهتكوا حرمته إذن.. ليثيروا الرعب بينهم أو ليوصلوا رسالة من نوع ما ! ولماذا لم يتصلوا بها لتذهب لهم بنفسها إن كانوا يريدون التحقيق معها ! وماذا فعلت ندى – أصلاً- لتستحق الاعتقال..!! ليست في أي تنظيم وليس لها نشاط سياسي ولا تعمل حتى في المستشفى الحكومي.. لقد تطوعت – كطبيبة – لمعالجة المتظاهرين.. فلماذا تعتقل؟
أفكار غير مكتملة..يقطع كل منها الآخر..يُلغيه أو يقفز عليه قبل أن يكتمل.. تزاحمت في عقلي الأفكار في مسافة الدقائق الثلاث التي وصلت فيهم لمنزل ندى.. الكل مصدوم وفي الوقت ذاته يحاول أن يهدئ الآخر.. اتصلت والدتي بي وخاطبتني برباطة جأش تستر قهراً مكتوماً
" لقد تنمروا واستقوا علينا ولكنهم ليسوا أقوى من الله.. لنا رب يا ابنتي فلا تجزعي"
كانت تتصنع التماسك ولكني كنت أتذوق طعم الدموع في كلماتها.. والدتي تعرفني، أوصتهم بالترفق عند إبلاغي بالخبر لأنها تعرفني، عرفت أني سأتفتت لمليون قطعة صغيرة.. غضبا وحزناً..

(5)


حاولت مواساة أخوتي الذين بدؤوا يتقاطرون على المنزل ومحمد، زوج أختي الذي بدأ وكأن روحه قد انفصمت عن جسده.. سرت فجأة برودة لا توصف بجسدي، شعرت أن أوصالي تتجمد رغم دفء الجو فسارعت لخزانة ندى لأتدثر بمعطف أو لأهرب من عيونهم ربما.. توجهت لغرفتها لتستقبلني رائحة عطورها التي تملأ الأجواء.. فتحت خزانتها وسحبت معطفاً صوفياً ومن بين ملابسها التي تحمل تواقيع أكبر مصممي العالم.. اخترقت ضحكتها البهية عيني وجلدتني فكرة موجعة
" ندى، في المعتقل الآن !! أيادي العسكر القذره تمتد لتسحبها، هل ستتحمل ندى هذه " البهدلة" !! هاجست نفسي.. كيف تتحمل من هي مثلها رائحة السجون وسفاهة الضباط وحقارة العسكر..وإذ بفكرة أكثر إيلاماً تتخطفني " ماذا سأقول للولوة وعالية عندما تستيقظان بعد ساعات ولا يجدان أمهما ؟"
يا ليتهم أعتقلوني أنا.. شنقوني أنا.. قطعوني أرباً ولم يقربوا شقيقتي..
أتراهم يوافقون على استبدالي بها !!
توقف عقلي عن الدوران، انخرطت في بكاء مرّ بين خزائنها أخبئ دمعتي بين كفي وأكتم صرختي التي تريد أن تخترق السقف وتهز الجدران.. أذن الفجر خلال تلك الدقائق..
الله أكبر.. الله أكبر
رفعت رأسي وسمعت صوتي وأنا أقول بتحدً " الله أكبر..على من طغى وتجبر"

نشر بتاريخ مارس 19, 2012
يتبع
تابع القراءة ....